الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

476

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

فيكون الحال فيه كسائر ظنونه ومن تحصيله القطع بالطريق وهذا هو الظاهر وكون المتيقن من حجية تلك الأدلة حجيتها بالنسبة إلى المجتهد المطلق دون المتجزي فلا فائدة في تحصيله القطع بمقتضاها مدفوع بأن قول المجتهد أنما يكون حجة من حيث كشفه عن الأدلة الشرعية وليس قوله حجة من حيث هو فإذا حصل له القطع بذلك فلا حاجة إلى التوصل بقوله إليه فلا يجوز له الرجوع إليه بعد القطع المذكور إذا كان ما فهمه مخالفا لذلك هذا إذا علم انحصار الأدلة الموجودة فيما وصل إليه وعلم كون مقتضاها ذلك وأما لو حصل له الظن بالأمرين أو أحدهما فهو يندرج في مسألة الظن والظاهر أنه الملحوظ بالبحث في المقام وحينئذ فإن أريد معرفة حكم التجزي في نفسه ولو كان الحاكم به مجتهدا مطلقا فالظاهر حينئذ هو القول بحجية الظن الحاصل له وجوازه أخذه به ولو قيل بعدم جواز الأخذ بمجرد ظن المتجزي كونه حجة في شأنه فإن طريان المنع من الأخذ به من جهة عدم انتهائه إلى اليقين فلا ينافي ذلك جواز الأخذ به في حكم المطلق وحينئذ فله أن يحكم بجواز التجزي وإن لم يكن للمتجزي الرجوع إليه بمجرد ظنه فإن قلت إنه إذا لم يجز للمتجزي الرجوع إلى ظنه لعدم دليل قاطع على جواز رجوعه إليه لم يكن أيضا للمجتهد المطلق الحكم بجواز رجوعه إلى ظنه بل اللازم عليه الحكم بمنعه من الرجوع إليه قلت فرق بين عدم قبول الاجتهاد للمتجزي في اجتهاد نفسه وعدم حجية ظن المتجزي من أصله وبين حجيته في الواقع وعدم جواز كون المتجزئ إليه من جهة انتفاء علمه به فهناك جواز للمتجزي وعلم بجوازه فعدم جواز الحكم بالمتجزي في شأن المتجزي لانتفاء علمه به غير الحكم بعدم جوازه من أصله وإنما يمتنع حكم المطلق بالجواز مع اختيار عدمه في الثاني دون الأول فأقصى الأمر أن يحكم بعدم جواز اعتماد المتجزي في جواز التجزي بمجرد ظنه فإن جاز التجزي في نفسه والملحوظ في المقام هو نفس الجواز وإن كان الحاكم به هو المطلق دون المتجزي ومن هذا القبيل ما لو حكم المجتهد بجواز تقليد المفضول مع التمكن من الرجوع إلى الأفضل فإنه يجوز استناده إلى الأدلة الظنية وإن لم يجز ذلك للمقلد ولم يكن له في نفسه إلا الرجوع إلى الأفضل لعدم علمه بحصول البراءة إلا به ويدل حينئذ على جواز التجزي عدة من الوجوه الظنية قد مرت الإشارة إلى بعضها ويأتي الكلام في بعضها عند تعرض المصنف إن شاء الله ولا مانع من استناد المجتهد المطلق إليها بعد قيام الدليل القاطع على جواز حكمه بتلك الأدلة الظنية بخلاف حكم التجزي بها لعدم قيام دليل قطعي على جواز استناده إليها مضافا إلى أنه المعروف من مذهب الأصحاب والشهرة محكية عليه حد الاستفاضة وإن أريد معرفة حكم المتجزي نفسه في معرفة تكليفه من الأخذ بظنه أو رجوعه إلى غيره فإن حصل له القطع في مسألة التجزي بجوازه أو عدم جوازه فلا كلام في حجية إذن في شأنه فيرجع على الأول إلى ظنه وعلى الثاني إلى تقليد غيره ولا إشكال لانتهاء الأمر في ظنه أو تقليده إلى العلم ليخرج بذلك عما دل على المنع من الأخذ بالظن أو التقليد لما عرفت من أن النهي عنه هناك أنما هو الاتكال على الظن أو التقليد بما دون ما انتهى الأمر فيه إلى اليقين وحصل الاتكال فيه على القطع فإنه في الحقيقة أخذ بالعلم حسب ما مر تفصيل القول فيه وإن لم يحصل له القطع بالواقع في المسألة المفروضة تم ما مر من الكلام في تقرير القاعدة النقلية في المقام من كون الظن القائم مقام العلم بحكم العقل هو الظن الحاصل من صاحب الملكة القوية دون غيره وأن الواجب على غيره الرجوع إليه لما دل على أن الرعية صنفان عالم ومتعلم ومجتهد ومقلد حسبما مر تفصيل القول فيه تعين عليه الرجوع إلى المجتهد المطلق وكذا إن تم ما مرت الإشارة من اندراجه إذن في عنوان الجاهل نظرا إلى عدم انتهاء ظنه في خصوصيات المسائل وفي مسألة التجزي إلى اليقين وقيام الدليل القاطع من غير صريح العقل والنقل على عدم جواز التعويل على الظن من حيث إنه ظن فيندرج إذن في الكلية القائلة بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم فهما إذن دليلان ظاهريان يفيدان القطع بالتكليف في مقام العمل من وجوب رجوعه إلى التقليد ومنعه من الأخذ بظنه وحينئذ فنقول إن كانت مسألة التجزي من المسائل التي لا يقدر على استنباط حكمها وكان من يرجع إليه من المجتهدين قائلا بمنع التجزي فليس وظيفته إلا الأخذ بتقليده في خصوصيات المسائل وإن كان قائلا بجوازه تعين الرجوع إلى ظنه فيكون اتكال المتجزي حينئذ في الأخذ بظنه على تقليد المجتهد المطلق ولا مانع منه بعد قضاء الدليل به فهو في الحقيقة رجوع إلى التقليد لانتهاء أمره إليه وإن كانت المسألة المذكورة مما استنبط حكمه فإن كان قائلا بجوازه وكان المجتهد الذي يرجع إليه قائلا بجوازه أيضا وجب عليه الرجوع إلى اجتهاده وإن كان قائلا بالمنع منه تعين عليه الرجوع إلى التقليد ولا عبرة بظنه المتعلق بمسألة التجزي وكذا لو كان قائلا بالمنع منه سواء كان من يرجع إليه قائلا بمنعه أو جوازه هذا كله إذا كان المتجزي قاطعا بجواز التقليد في المسائل المتعلقة بالعمل من غير فرق بين الأصول والفروع كما هو الحق وأما لو كان قاطعا بعدمه فلا يصح له في الصورة المفروضة سوى تقليد المجتهد في الأحكام الفرعية سواء كان ذلك المجتهد مجوزا للتقليد في الأصول أو لا قائلا بتجزي الاجتهاد أو لا وأما لو كان مترددا في تلك المسألة ظانا بأحد الجانبين لزمه مراعاة الاحتياط مع الإمكان أما باعتبار ما يحصل معه العلم بأداء الواقع أو بأداء التكليف حسبما نقرره في الصورة الآتية ثم إن جميع ما ذكرناه مبني على صحة ما ذكر وإن لم ينهض شيء من الوجهين المذكورين القاضيين بوجوب رجوعه إلى العالم حجة في المقام حسبما نوقش فيهما بما مرت الإشارة إليه وتم ما ذكر من الإيراد تعين القول برجوعه إلى الاحتياط ولم يصح له الرجوع إلى التقليد والأخذ بقول الغير لعدم قيام الدليل القاطع عليه بالنسبة إليه وإلى مجرد ما يظنه لما عرفت من عدم قيام دليل قطعي على حجية ظنه والدليل العقلي القائم على حجية ظن المقلد لا نسلم في شأن المتجزي لتوقفه على إثبات عدم وجوب الاحتياط في شأنه وليس هناك دليل قاطع على عدم وجوبه بالنسبة إليه كما مر التنبيه عليه وحينئذ فقضية الأصل رجوعه إلى الاحتياط مع الإمكان ويتصور الاحتياط في شأنه على وجوه أحدها مراعاة ما يحصل منه القطع بأداء الواقع ثانيها مراعاة التوافق بين ما ظنه وما تيقنه المجتهد المطلق لحصول القطع له بتفريغ الذمة لدوران أمره بين الأخذ بقوله ورجوعه إلى المجتهد المطلق والمفروض إتيانه على كل من الوجهين ثالثها أنه يرجع إلى فتوى المطلق في جواز التجزي والرجوع